اليعقوبي

408

تاريخ اليعقوبي

ما مثل يوميه اللذين تواليا * في غزوتين تواليا يومان وكان يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن قد هرب إلى خراسان ، ودخل أرض الديلم ، فكتب هارون إلى صاحب الديلم يطلبه منه ويتهدده ، فطلبه ، فلما رأى يحيى ذلك طلب الأمان من الفضل ، فآمنه وحمله إلى الرشيد ، فحبسه فلم يزل محبوسا حتى مات . وقيل إن الموكل به منعه من الطعام أياما ، فمات جوعا . وخبرني رجل من موالي بني هاشم قال : كنت محبوسا في الدار التي فيها يحيى بن عبد الله ، فكنت إلى جانب البيت الذي هو فيه ، فربما كلمني من خلف حائط قصير ، فقال لي يوما : إني قد منعت الطعام والشراب منذ تسعة أيام ، فلما كان اليوم العاشر دخل الخادم الموكل به ، ففتش البيت ، ثم نزع عنه ثيابه ، ثم حل سراويله ، فإذا بأنبوبة قصب شدها في باطن فخذه ، فيها سمن بقر كان يلحس منه الشئ بعد الشئ يقيم برمقه ، فلما أخذها لم يزل يفحص برجله حتى مات . فحدثني أبو جميل قال : خرجت إلى البصرة في أيام المأمون ، فركب معنا في السفينة خادم ، فكان يخبرنا أنه من خدم الرشيد ، ثم حدثنا بحديث يحيى بن عبد الله ، وأنه الذي تولى قتله بمثل ما تقدم ذكره ، فلما كان في الليل قام إليه رجل كان في السفينة ، فدفعه في الماء ، والسفينة تسير ، فغرقه . وبايع هارون لابنه محمد بالعهد من بعده ، سنة 175 ، ومحمد ابن خمس سنين ، وأعطى الناس على ذلك عطايا جمة ، وأخرج محمدا إلى القواد ، فوقف على وسادة ، فحمد الله وصلى على نبيه ، وقام عبد الصمد بن علي فقال : أيها الناس لا يغرنكم صغر السن ، فإنها الشجرة المباركة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وجعل الرجل من بني هاشم يقول في ذلك حتى انقضى المجلس ، ونثرت عليهم الدراهم والدنانير وفأر المسك وبيض العنبر .